مقالات

“الرَّڨْرَاڨْ” من الفصيح إلى العامّي

✅ تكثر في شعرنا الشّعبي (البدويّ) القديم لفظةُ “الرَّڨْرَاڨْ” بالإفراد و”الرّڨَاريڨْ” بالجمع حتّى توهّمناها من الدّارجة صَلِيبَةً، ولم يخطر بالبال أنّها من العربية الفصيحة. فقد ذكر الأصمعيّ: “الرَّقاقُ الأَرض الليّنة من غير رمل”، وورد في (لسان العرب) أنّ الرَّقَاقَ (بالفتح): هي “الأَرض السَّهلةُ المُنبسِطة المُستوِية الليِّنةُ الترابِ تحت صلابة”، كذا نعتها Boris في معجمه فقال vaste étendue de terrain désertique et plat. ورَقْراقُ السحاب: ما ذهَب منه وجاء. والرَّقراقُ: تَرْقْرُق السَّراب. وكل شيء له بَصيص وتلأْلُؤ، فهو رَقْراق؛ قال العجّاجُ مرجّزًا:
ونَسَّجَتْ لَوامِعُ الحَرُورِ *** بِرَقْرقانِ آلِها المَسْجُورِ
فالرَقْرقان: ما تَرَقْرَق من السّراب أَي تحرَّك، والمَسْجُور ههنا: المُوقَدُ من شدَّة الحَرّ”. وسراب رَقْراقٌ ورَقرقانٌ: ذو بَصيصٍ. وترقرق السَّراب، وترقرقت الشَّمس، إذا رأيتَها كأنها تدور.
-*-*-*-
✅ وكأنّ الشاعر عمر بن خليفه البازمي أصّل هذا المعنى في قصيدته الذائعة:
بْعِيدْ بَرِّكْ يَا سِِمْحِ الصِّيفَه ***أَمْهَاجْ شْفِيفَه ***وْرَمْلِ مْزَزِّمْ بَعْوَاطِيفَه
حين قال:
رَڨْرَاڨْ يْدُورْ*** بِينِ الحِفَّه وِزْمِلَّه
يْكِيدِ الجَادُورْ*** كِيفْ مْوَڨَّى بِنْعِلَّه
[هذا السّراب اللاّمع يتراءى بين حافة الرّمل وكثبانه، وإنّه لعسيرٌ على الجواد جديدِ الحَدْوَة جيِّدِها].
وفي القصيدة ذاتِها يرد الرَّڨْرَاڨُ بصيغة المفرد المتّسم بالصعوبة وكأنّه المرادف للشرّ ومعاناة البدويّ صنوفَ العذاب من أجل قطع هذه المفاوز المهلكة:
رَڨْرَاڨْ مْشِرّْ *** أَصْحَانْ وْظَهْرَه وَحْدَارِي
مَا فِيهْ شْجَرْ *** وْغِيمَه مْتُولِڨْ غَبَّارِي
[هذا السّراب المهلك في المنبسطات ( الصَّحْصَحَان ) والمنخفضات والمنحدرات يفتقد كلّ نبت، وليس فيه سوى الغيم المتكاثف في قوّة].
كما يورد البازمي “الرَّڨْرَاڨْ” بصيغة الجمع نظرا لتشابه “الرَّڨْرَاڨْ” بالسّراب واتّحادِهما في التّعبير عن الكثافة المهلكة والانتصار الماحق للطبيعة على الإنسان العاشق:
دَارِ رْڨْاريڨْ *** حِسْيِ تْيَارِتْ وَأَسْهَابَه
غِيمَه طْلَالِيڨْ*** دُونِكْ يَا سِمْحَ أنْيَابَه
[ تكاثف السّراب طبقاتٍ في “حِسْيِ تيارت” وسهوبه (مكان بعينه)، مثلما تكوّن الغيمُ أطوارا فكانَا حاجزيْن مانعيْن دون من أحبّ].
-*-*-*-*-
✅ وإذا عدنا إلى المدوّنة الشعريّة الشعبية القديمة نجد الشاعر البدويّ الرحَّالة محمد نبيخة العذري مولعا أشدّ الولع بتوظيف”الرَّڨْرَاڨْ” في شعره. ونعدّ ذلك أمرا بديهيا نظرا لاعتياد الرّجل مَهَامِهَ الصّحراء وتوغّله عميقا في مَرَوْرِيَاتِهَا الموحشة مرّاتٍ مترحّلا صوب الجنوب الغربي (الجزائر) والجنوب الشرقي (ليبيا). ففي رحلته صوب جنوب الجزائر وتوغّله نحو أراضي النّيجر ومالي قال قصيدته المعروفة:
رقْرَاقْ جَانِي دونْ سُودْ أنْظَارَهْ *** تَاسِيلْيَا لْـوَادْ ميهْرُو و قْفَارَهْ
(بورجيلة مزيود)
وفيها يبسط الشاعرُ “الرَّڨْرَاڨَ” بين يدي السّامع أو القارئ للتعبير عن وحشة المكان القفر فلا أنيس في الجبل الوعر سوى هذا السّراب اللاّمع يُخْشَى معه الهلاك المحتّم:
دونْ سُودْ رِمِيقَهْ *** جِـبَلْ شـِينْ مَحْفِي مُـوحْــشَـهْ رَقَــارِيـقَهْ
[ بيني وبين الحبيبة المشهورة بسواد عينيها جبلٌ وعرٌ سرابُه موحشٌ].
أمّا في رحلته الشهيرة متّجها إلى الأراضي الطرابلسية (غدامس) منطلقا من الحد الشرقي للبلاد التونسية فإنّه يجود ببدعته الثانية:
رَڨْرَاڨْ جَانِي دُونْ سِمْحِ خْشَالَه **** لُرْزُطْ وْبِيرِ المَنِزْلَه وجْبَالَه
[ هذا “السّراب المستطير بقفرة” حال بيني وبين حبيبتي ومنه “لُرْزُطْ” (مكان) و”بير المَنِزْلَه” (مكان) وجبَالُهما ].
ويظلّ هذا البيت بمثابة اللاّزمة Refrain تتكرّر نهايةَ كلّ مقطع لتذكّر السّامعَ بما يعترض الشّاعرَ في رحلته من مكاره.
-*-*-*-*-
✅ وبالجملة يكاد يحصل الاتّفاقُ بين الشّعراء الشعبيين القدامى على أنّ “الرّڨْراڨَ” حاجزٌ مانع يحول دون الشّاعر ولقاء من يحبّ. وفي المدوّنة الشعريّة نماذج كثيرة صالحة لتمثيل المنع والقوّة الطبيعيّة القاهرة. ومن الأمثلة على ذلك:
– رَڨْرَاڨْ حَازِكْ يَا حَجِي الشَرَّادِي *** جِفَايِرْ مْشُومَه وْبَرّْهَا مِتْعَادِي
[سرابٌ حال بيني وبينك، مَهَامِهُهُ موحشةٌ وبَرَارِيه ذاتُ تضاريسَ وعرة].
– رَڨْرَاڨْ دُونِكْ يَا ظرِيفَ أَنْيَابَه *حْفَزْ دَارْ عَلْ رُوسِ الخْشُومِ ضْبَابَه
[هذا السّراب حال بيني وبين حبيبتي (صاحبة الشَّتِيتِ المنضّد)، تكاثف وصار كأنّه الغيوم على رؤوس الجبال].
– بْعِيدْ بَرّْ رِيدِي الرِّجِلْ مَا طَالَاتَه* عَلَيّْ حَازْهَا رَڨْرَاڨْ بِمْزَازَاتَه
[مكانُ حبيبتي نَاءٍ لا تصله الرِّجْلُ، وقد حال بيننا “الرَّڨْرَاڨُ” بأوساعه].
– دُونِكْ يَا كَاحِلْ الأَرْمَاڨْ *** غِيمْ وْرَڨْرَاڨْ *** يْبَانْ مْسَدِّي عَلْ لَشْفَاڨْ
[بيني وبين حبيبتي كاحلة العينين، غيمٌ وسراب يظهر متراكما متراكبا في الأفق].
-*-*-*-*-
✅ وإذا كان أغلبُ الشعراء قد اشتكوا من “الرّڨْراڨ” ووسموه بالصّعوبة فإنّ شيخَ الشّعراء أحمد البرغوثي قد جرّد منه مخاطَبا يدعو عليه بالسّلب بعد أن بيّن مقدار صعوبته واتساعه ووعورة اختراقه، يقول في ضحضاحه المشهور:
يَا مَشِيْنَه فَجّْ رَهَّاڨْ * مَڨْطُوعْ الأَرْفَاڨْ* يَصْعَبْ عَلَى كٌلّْ وَهَّاڨْ* يِخْلِيهْ مُوسَعْ رْڨَاڨَه ( موڨْف مربّع مڨْطوف)
[يا له من فجّ مرهق، لا أنيس فيه، ولا يدّعي قطعه خَوَّارٌ، وإنّي لَأَدْعٌو عليه بالهلاك نظرا لشدّة اتّساعه].
وقد سار بعض المحدثين على هذا المنوال فاجتلبوا الرڨْراڨَ في رحلاتهم للسّير على منوال الأقدمين وتقليدهم في تقحّم المفاوز المهلكة. ومن نماذج ذلك ما أورده الشّاعر بلقاسم بن عبد اللّطيف في معارضته للبرغوثي والطويل. يقول:
رَڨْرَاڨْ مَشْنَاهْ يِبْعَادْ * بِالمُوتْ هَدَّادْ * مِنْ دَاخْلَه زَازْ الأَكْبَادْ * مِسْكِينْ يَتَّمْ أَوْلَادَه ( موڨْف مربّع مڨْطوف)
[يَا لَهَذَا الرَّڨْرَاڨ المُوحِشِ البَعِيدِ، يَتَهَدَّدُ الإنسانَ بالموت، فمن اقتحمه تاركا أبناءَه، سيهلك ويغدونَ يتامى].
كما نجد الشاعر رضا عبد اللطيف يوظّف الرقراق توظيفا فنيا حاذقا حين يشير في قصيدة “النخّ” المشهورة إلى مأساته العاطفية:
ﻏْﻨَﺎﻱَ ﻋَﻠَﻰ ﺯُﻭﻝْ ﺣِﻠْﻮِ ﺍﻟﺸّﻤَﺎﻳِﻞْ ** ﻳَﺎ ﻃُﻮﻝْ ﻟِﻴﻠِﻲ ** ﻇَﺎﻣِﻲ ﻭْ ﺭَﻗْﺮَﻕْ ﻋَﻠَﻲَّ ﺍﻟﺸّْﻬِﻴﻠِﻲ
-*-*-*-*-
✅ إنّ اللّغةَ ( اللّهجةَ ) بنت وقتها والاستعمال كفيل بترسيخها أو الذّوبان. وقد لاحظنا اضمحلال لفظة “الرّڨْراڨ” إلاّ ما ندر في استعمال الشعراء على سبيل التّقليد. وهذا طبيعيّ لأنّ الشّاعر اليوم لم يعد يقطع البِيدَ ( وليس مطالبا بذلك )، وما دامت الحاجة قد انتفت إلى جوب الآفاق فقد زال الإحساس بألم المفاوز المهلكة والرّڨاريڨ الموحشة. أما عامّة النّاس فما زالوا يجتلبون اللفظةَ في استعمالاتهم اللَّهَجيّة حين يتحدّثون عن الصعوبة فيقولون عن اليوم شديد الحرّ: “شهيلي مرڨْرڨْ” أو “نهار مْرَڨْرِڨْ من صباحه” ويقولون عن المتخاصِمَيْن أشدّ الخصومة: “رَڨْرڨَتْ بيناتهم” … أمّا الذين استوطن قلوبَهم شيءٌ من اللّين والرأفة فقد خفضوا الجناح وقالوا:
شَطّْ البحَرْ والمُوجْ والرَّڨْرَاڨِي بْكِيتِيشْ يَا يَمَّه نهَارِ فْرَاڨِي
الشّريف بن محمّد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

error: Ooooops !!