مقالات

النّسيج التّقليدي صناعة على مشجب التّراث

تزخر جهة تطاوين برصيد كبير من الصّناعات التّقليديّة الأصيلة التي عرفتها النّاس و توارثتها الأجيال و من أهمّها صناعة الصّوف و الشّعر و الوبر .

تقتصر حرفة النّسيج على النّساء ( و لا يعرف النّسيج الرّجالي”الحوكي” بجهة تطاوين) وحرفة النّسيج بالجهة أكثر تطوّرا عند سكّان قصور القمم مثل شننّي و الدّويرات و قرماسه أمّا بدو القصور السّهليّة فلهم نسيجهم الذي يختلف عن السّابقين. و لعلّ طبيعة المساكن هي التي تحدّد تقنيات معيّنة ووضعيات مخصوصة. لذلك استعمل سكّان “الغيران” المنسج العموديّ الذي يمكن استعماله داخل الفضاءات الضيّقة و الصّغيرة بينما يستعمل غيرهم من أهل السّهول المنسج الأفقي الذي ينطرح أرضا .

و قد عرفت نساء شنني و الدّويرات و قرماسه بنسيج معيّن منه: الوزرة و الحولي (لباس الرّجال) و البخنوق والتعجيرة و الكتفية وحولي النساء الصّوفي الذي لا يخلو منه ‘جهاز عروس’ (لباسا للنّساء). كما عرفت شننّي بالرَّقمه الشننّاويّة واشتهرت منها مثلا تَمَضْمِضْتْ (رقمة) عيشه بنت عياد، وغيرها… و يقتصر النّسيج في هذه الجهات على الصّوف في ألوانه الطّبيعيّة و ربّما استعملت معه ملوّنات طبيعيّة من الوسط المحليّ. أمّا “المسدى” الأفقي فيستعمل له شعر الماعز مخلوطا بقليل من الصّوف، لتصنع منه الغرارة (لحمل الحبوب) و الفليج و الطّريقة (لصنع بيوت الشّعر) و المخلاة وغيرها …

و لهذه الحرف مصطلحات و مسمّيات معلومة يتداولها أصحاب الحرف فتسمّى الخيوط العموديّة التي تشدّ على خشبتي النّول العمودي “جَدّادًا” (أُوسْتُو) وهي من الخيوط الرّقيقة أما الخيوط الأفقيّة فتسمّى “الطّعمة” (أُولمَنْ) وهي تمرّر بين خيوط “الجدّاد” و تسوّى بالمرود أو المسلّة (تَادْرَا) ثمّ تدقّ بـ”الخلاَلَهْ” (تَجِدْشَا) و لذلك قيل ‘دڨّ خلاله’ للقطعة الجيّدة الصّنع مثل قولهم في أماكن أخرى “نقش حديده”. و قبل أن “توَجِّرْ” المرأة نسيجها لدى إحدى الحرفيّات تقوم بإعداد الصّوف تنظيفا و ندفا و غزلا و تهبّ الجارات و القريبات لمساعدتها في يوم معلوم و تسمّى المناسبة “رَغَّاطَة” أو ” تويزه” وهي مقصورة على النّساء دون الرّجال فإذا صادف أن مرّ رجل بالنّساء أثناء الرّغّاطة زغردن فيهدي لهنّ الرّجل ما توفّر من مكسّرات (كاكاوية ، لوز…) ليشربن بها الشّاي. كان للنّسيج احتفاليته و ربّما قداسته و كان في ما يتوافر من الوقت لدى المرأة خاصّة مجال للإبداع و التّفنّن و الإبتكار و لكنّ نسق الحياة اليوم تسارع فخطف من المرأة هدوءها و سكينتها و سرق من أناملها الرقيقة إبداعا طوته السّنون و تحوّلت تلك الأنامل في ما يبدو من مداعبة الصّوف النّاعم إلى لوحات الكمبيوتر اليابسة.

لا شكّ أنّ تعلّقنا بتراثنا و تقاليدنا يبعث في نفوسنا ألما و حسرة على ضياع هذه الإبداعات فهل من سبيل للمحافظة عليها و تحويلها إلى منتجات تجاري نسق العصر مع المحافظة على كلّ تقنياتها و أدبياتها و تكريم رموزها و تشجيع من ينوي تعلّمها من شبابنا و هل للدّيوان الوطني للصّناعات التّقليديّة برامج ومخطّطات لإنقاذ ما بقي من هذه الحرف ؟

بقلم : الضاوي موسى

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

error: Ooooops !!