غير مصنفمقالات

تحوّلات النصّ الشّفاهي

في أوّل المقطع الغنائي التراثي الذي يؤدّيه بلقاسم بوڨنّة نسمع قوله:
يَا رَبّْ مَانِي عَبِيدَكْ *** وْمِ الطِّينْ مَخْلُوڨْ ذَاتِي
وِالحَلّْ وِالرَّبَطْ بِيدَكْ *** وْسَاعْةِ الفْرَجْ تَاتْي
وْقُوفِي عَلَى بَابْ غِيرَكْ *** يْنِحّْ الشّْطَرْ مِنْ حَيَاتِي.
وقد كنت أعتقد أنّها من التراث الشّفاهي المرزوڨي الجماعي الذي يُجهَل قائلُه توارثته ذاكرةُ الناس حتى صار مشتركا عامّا ولم يزده الأسلوب الغنائي لبلڨاسم بوڨنّه إلاّ ذيوعا وانتشارا … لكنّ مطالعتي لمقال الدكتور أحمد الخصخوصي عن الشّاعر علي الدليوي العيّاري ( علي الدّليوي الفارس الشاعر / مجلّة الثقافة الشعبية. البحرين. السنة الثالثة. العدد 09. ربيع 2010 ) جعلني أراجع هذا الاعتقاد إذ توجد رواية أخرى قريبة للأبيات نفسها بل لعلّها هي الأصل إذ يقول علي الدّليوي:
رَبّي مَانِي عَبْدَكْ *** من الطِّينْ مَلَّستْ ذَاتِي
وِالكَبسْ وِالرَّخَفْ بِْيَدَّكْ *** وْسَاعَاتْ بِالخِيرْ تَاتْي
وْطِلبْتِي فِي حَدّْ غِيرَكْ *** تْنِحّي الشّْطَرْ مِنْ حَيَاتِي.
-*-*-*-*-
تثار بعد تأمّل الروايتين جملة من القضايا لا نعطي فيها رأيا جازما وإنّما نبثّ حيرة ونحرّك سواكن:
1 ـ لسنا في معرض المفاضلة السطحيّة بين الرّوايتين وأيّهما أحسن من الأخرى، ولسنا في مدار الانتصار للهجة على حساب الثانية. وإنّما نريد أن نعرف مأتى التغيّر في رواية النصّ من أين نجمت وكيف تطوّرت؟
2 ـ الموضوعُ واحدٌ والمعاني مشتركة والمقاصد متشابهة، ولكنّ الرواية اختلفت، فهل هناء سبقٌ تاريخيّ لواحد من النّصين على الآخر ومن ثمّ حدث الاحتذاء؟ أو أنّ هناك مواردةً مّا جعلت النصّين يتصاديان وكأنّهما واحد؟
3 ـ كان علي الدليوي فارسا صاحب جولات وغزوات فهل ساح في البرّ الڨِبلي وعرف ثقافة الصحراء فمتح من المشترك العام ثمّ غيّره تغييرا طفيفا يتناسب وشاعريّته؟
4 ـ هل كان لرحلة “الهَطَّايَه” جوّابِي الآفاق من برّ نفزاوة إلى برّ “إفريڨَا” ( موطن علي الدليوي ) في النّصف الأوّل من القرن العشرين أثرٌ في تثاقفٍ ما صار بمقتضاه للأبيات الثلاثة صدًى في الذّاكرة الشعبية وإن برواية مخالفة للأصل؟
5 ـ ثمّة ـ في الرّوايتين ـ نسقٌ نفسيّ وجداني من طبقى عالية كثيفة الإيحاء وهو ما جعل الإقبال على المعنى عند السّامعين متعاودا، وقد ذكر الدكتور أحمد الخصخوصي في تفسير الأبيات ما يلي: “يتّجه الشّاعر إلى التأمّل العميق في نواميس الكون مستندا إلى فكره وتجربته من ناحية وإلى محيطه الديني وخلفيّته العقديّة من ناحية أخرى. فينظر إلى الحياة بجانبيها اليسير والعسير ويرى فيما يمكن اعتباره مزيجا متآلفا من قيم الفتوّة العربية ومبادئ الإيمان الإسلامي فيقضي بأن لا يذلّ الإنسان لبشرولا يخضع لآدميّ وأن لا يطلب من أحد طلبا لأنّ ذلك ينال من قيمته وكأنّما ينقص من عمره نصفا ويقرّر في آخر الأمر أن يتّجه على سبيل الاقتصار إلى المولى”.
6 ـ لعلّ ما لم يقله الدكتور الخصخوصي هو أنّ كلّ سامع يجد في الأبيات ـ مهما كان قائلُها وبأيّ رواية صِيغَتْ ـ شيئا من ذاته وهوى في نفسه. والعلّة في ذلك أنّها تلبّي دوما حاجة وجدانيّة ماسّة تجاوزت علي الدّليوي فردًا لتحوز الاهتمام عند كلّ متقبّل فيستذكرها زفرةَ ألمٍ أو لحظةَ أمل … أو لعلّها التعبير الأجلى عن الخيبة في الأرض وأهلها ليتمّ التّصعيد إلى أشواق سماويّة قصاراها الاستسلام إلى من لا يخيب ببابه الرّجاء.

شريف بنمحمد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

error: Ooooops !!